فی یوم العفاف العالمی، الذی اختیر له یوم مولد العقیله زینب بنت أمیر المؤمنین علی (علیه السلام)، سیده العفاف الأولى بعد أمها الصدیقه الطاهره فاطمه الزهراء (علیها السلام)، نعبر عن ألمنا وأسفنا العمیق وغضبنا لقرار حکومه أذربیجان القاضی بمنع الطالبات المحجبات من الحضور فی المدارس، وحرمانهن من التعلیم الذی هو حق مشروع لکل مواطن، وقد انتُزعن من صفوفهن بالإکراه وهن یذرفن الدموع بحرقه، وتشاطرهن زمیلاتهن ووقفن مذهولات على أبواب المدارس وعیونهن تنظر بأسى وخیبه أمل إلى الحرم العلمی الآمن الذی حُرمن منه، وربما شمل القرار المعلمات المحجبات أیضاً، فما الجریمه التی ارتکبنها حتى یُعاقَبن؟، وإذا کانت الذریعه علمانیه الدوله، فهل العلمانیه تعنی سلب حریه الشعب ومنع الالتزام بدین الأغلبیه العظمى من شعب آذربیجان، فلیس الحجاب فیه حاله شاذه وغریبه حتى تُمنع، بل العکس فقد ورد فی الحدیث الشریف (العفّه رأس کل خیر).
وأعتقد أن رئیس جمهوریه أذربیجان رأى هذه المشاهد القاسیه التی تؤلم قلب کل أب شفیق رحیم ولا یرضاها لبناته، ولعل القرار لم یکن صریحاً بهذا الإجراء وإنما فسّرته إدارات المدارس بذلک وحینئذٍ تجب محاسبتها على هذه الخطیئه الفادحه، وإن الرئیس أب لکل أبناء شعبه، وکان من أهم وصایا النبی صلى الله علیه وآله لأمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام أن یکون أباً للأمه، فإن الأبوه أهم خصال القائد الناجح، وقال له: (یا علی، أنا وأنت أبوا هذه الأمه)، وإن اسم الرئیس علییف مشتق من اسم أمیر المؤمنین علی (علیه السلام)، فلیأخذ هذه الصفه الحسنى منه، وإن هؤلاء الطالبات المحجبات هن بنات سیده نساء العالمین فاطمه الزهراء (علیها السلام) وسائرات على نهجها، فلا تُدخلوا الألم على قلبها الطاهر، والمسلمون رفضوا مثل هذا القرار لما صدر من دوله أوربیه معروفه بعدائها للإسلام فکیف یقبلونه فی بلد تبلغ نسبه المسلمین فیه ۹۶%؟.
إن سلب العفه فی ساحات متنوعه هو الغرض من الصراع الذی تحدى به ابلیس وشیاطینه البشریه منذ بدء الخلیقه فوسوس لآدم (علیه السلام) وحواء حتى یأکلا من الشجره الممنوعه لیذهب عفتهما، قال الله تبارک
وتعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطَانُ لِیُبْدِیَ لَهُمَا مَا وُورِیَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا) (الأعراف:۲۰)
وقال تعالى (یَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (الأعراف:۲۷) وقال تعالى (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَهَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) (الأعراف:۲۲)
لذا نرى أنّ تصحیح هذا القرار والرجوع عنه لیس فیه أی منقصه أو توهین، بل هو فضیله وشجاعه وموقف حکیم یدفع غضب الشعب الآذری المسلم، ویجنب الدوله أی عنف أو فتنه یُحدثها المتربصون، ویحفظ لهذا البلد العزیز على جمیع المسلمین المنجب للعلماء عبر التأریخ من تلویث تأریخه وأصالته وعراقه الإسلام([۱]) فیه.
والإصرار على هذا القرار ظلم لا یجوز ارتکابه، وکلنا مسلمون نعتقد بالحساب والجزاء یوم القیامه، قال الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: ۲۴)، والظلم ذنب لا یقبل المغفره ولا الشفاعه، وإن الله تعالى هو الذی یتولى إنصاف المظلوم یوم القیامه،کما ورد فی تفسیر قول الله تعالى:{إن ربک لبالمرصاد}(الفجر: ۱۴).
لقد مررنا بتجربهٍ مثلِ هذه فی عهد صدام عندما قررت حکومته لزوم التقاط الطالبات صوراً بلا حجاب لوضعها فی بطاقه الدخول للامتحانات الوزاریه العامه، وألقینا فی حینها خطاباً ذکّرناهم فیه بمثل هذه الکلمات، وأخذ الخطاب صداه فی المجتمع، لأن نتیجه القرار حرمان الطالبات من قطف ثمار دراستهن، فلم تجد الحکومه بداً من التراجع عنه والتنصّل منه وأن سوء فهم حصل من قبل مؤسسات تنفیذ القرار.
نأمل الاستجابه السریعه لإلغاء القرار صوناً لمصلحه البلاد، وشفقه على الطالبات العزیزات وذویهن المنکسرین، وقد قال الله تعالى فی الحدیث القدسی: (أنا عند المنکسره قلوبهم) وحذراً من غضب العزیز الجبار.
قال الله تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (الاحزاب:۳۷) وقال تعالى (الَّذِینَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَکُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِیمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَکِیلُ ) (آل عمران:۱۷۳).
محمد الیعقوبی
النجف الأشرف
۵/ جمادى الأولى/ ۱۴۴۸
۱۷/۱۰/۲۰۲۶
[۱] – کان الصحابی الجلیل قیس بن سعد بن عباده والی أذربیجان من قبل أمیر المؤمنین علی ابن أبی طالب (علیه السلام)