خطبتا صلاه عید الفطر المبارک : المرجع الیعقوبی (أهل البیت (ع) القرى المبارکه التی أمرنا الله تعالى بالسیر إلیها)

بسمه تعالى

المرجع الیعقوبی: (أهل البیت (علیهم السلام) القرى المبارکه التی أمرنا الله تعالى بالسیر إلیها)

السبت غره شهر شوال المکرم ۱۴۴۷

‏الموافق ۲۱/۳/۲۰۲۶

أقام سماحه المرجع الدینی الشیخ محمد الیعقوبی (دام ظله) صلاه عید الفطر المبارک بمکتبه فی النجف الاشرف وألقى سماحتُهُ خطبتی صلاه العید فی جمع من المؤمنین بعنوان (أهل البیت (علیهم السلام) القرى المبارکه التی أمرنا الله تعالى بالسیر إلیها) وکانت قبس من نور الآیه ۱۸-۱۹ من سوره سبأ المبارکه {وَجَعَلْنَا بَیْنَهُمْ وَبَیْنَ الْقُرَى الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا قُرًى ظَاهِرَهً وَقَدَّرْنَا فِیهَا السَّیْرَ سِیرُوا فِیهَا لَیَالِیَ وَأَیَّاماً آمِنِینَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَیْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِیثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِکُلِّ صَبَّارٍ شَکُورٍ} (سبأ: ۱۸-۱۹).

والیکم النص الکامل للخطبیتین:

بسمه تعالى

أهل البیت (علیهم السلام) القرى المبارکه التی أمرنا الله تعالى بالسیر إلیها (۱)

       قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَیْنَهُمْ وَبَیْنَ الْقُرَى الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا قُرًى ظَاهِرَهً وَقَدَّرْنَا فِیهَا السَّیْرَ سِیرُوا فِیهَا لَیَالِیَ وَأَیَّاماً آمِنِینَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَیْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِیثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِکُلِّ صَبَّارٍ شَکُورٍ} (سبأ: ۱۸-۱۹)

       الآیه ضمن سیاق مجموعه من الآیات الکریمه التی تحکی قصه سبأ وهو – على ما نُقِل – أبو العرب فی الیمن ومن أولاده العشره تفرعت قبائل العرب وانتشرت فی الجزیره وشمالها، ومدینتِهم مأرب، والسد العظیم الذی أنشأوه على فتحه بین جبلین لحبس الأمطار ومیاه البحر العارمه التی کانت تغرقهم وتخرب بیوتهم ومزارعهم، ویفتحون فیه نقباً کلما أرادوا  لحوائجهم، فتحول سبب دمارهم وخرابهم بفضل ما منحهم الله تعالى من قدرات عقلیه وبدنیه ومادیه إلى أداه لإعمار بلادهم وتنعمها بالأمن والاستقرار وتوفر أنواع الخیرات وسهوله الوصول إلیها،  وهذه کلها مقوّمات الحضاره والحیاه الطیبه ولا یکفی فیها مجرد امتلاک الثروات، {لَقَدْ کَانَ لِسَبَإٍ فِی مَسْکَنِهِمْ(۲) آیَهٌ جَنَّتَانِ عَنْ یَمِینٍ وَشِمَالٍ کُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّکُمْ وَاشْکُرُوا لَهُ بَلْدَهٌ طَیِّبَهٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (سبأ: ۱۵)، حیث أنعم الله تعالى علیهم بأراضی صالحه للزراعه على یمین السد أو الرائی وشماله تثمر أنواع الطیبات، ولم یطلب منهم ربهم -على لسان نبی بعثه أو بحکم العقل والفطره أو أنها من آثار تعلیم بلقیس بعد زیارتها لسلیمان (علیه السلام) بحسب ما حکته سوره النمل(۳) أزید من شکر ربّهم المنعم الغفور الذی یقبل منهم القلیل على هذه النعمه، وذلک لمصلحتهم لتدوم هذه النعم وتزداد {لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ} (إبراهیم: ۷).

       لکنهم تمردوا واستکبروا واستعملوا النعم فی معصیه المنعم بدلاً من شکرها ، وهم کانوا من قبل إسلام ملکتهم على ید سلیمان یعبدون الشمس من دون الله تعالى بحسب ما فی سوره النمل، وظنوا أنهم امتلکوا کل أسباب القوه واستغنوا عن الله تعالى{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّیَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَیْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَیْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِیداً کَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ کَذَلِکَ نُفَصِّلُ الْآیَاتِ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ} (یونس: ۲۴)،  ونهاهم الصالحون فلم ینتهوا.

  {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَیْهِمْ سَیْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَیْهِمْ جَنَّتَیْنِ ذَوَاتَیْ أُکُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَیْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِیلٍ} (سبأ: ۱۶)  فسلبهم الله تعالى رحمته وتأییده ولطفه وأوکلهم إلى أنفسهم، فجاءت سیول جارفه من الجبال وأمواج عاتیه من البحر واقتلعت السد(۴) وأغرقت دورهم وأراضیهم، فتحولت تلک الجنان الخضراء إلى صحراء قاحله – أطلق علیها جنان للمشاکله – فیها نباتات مُرّه ذات أشواک لا تصلح للأکل وهو الخمط، فکان ذلک المخلوق الضئیل(۵) -وهو الجرذ- کافیاً لإنهاء تلک الحضاره، لتثبت حقیقه أن الحضارات – کالإنسان – تنطوی فی باطنها على مکامن الضعف والفناء فإن لم یُحِسن أهلها تفعیل قواها المادیه والمعنویه، واستغرقها فی البطر والترف والتمرد فإنها تأتی علیهم وتنهیهم {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِکَ قَرْیَهً أَمَرْنَا مُتْرَفِیهَا فَفَسَقُوا فِیهَا فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِیرًا} (الإسراء : ۱۶) وهذه سنه الله تبارک وتعالى فی خلقه فإذا خرج عنها الإنسان بسوء اختیاره فإن السُنن الإلهیه فی الکون ستسحقه لأنه لا مکان فیها للمخالف والمتمرد.

{ذَلِکَ جَزَیْنَاهُمْ بِمَا کَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِی إِلَّا الْکَفُورَ} (سبأ: ۱۷) والکفور صفه مشبهه فتعنی أن الله تعالى یمهل العاصی الذی یقع فی الذم غفله أو جهلاً أو فی حاله ضعف، إلى أن یصبح کفوراً لنعمه وهو الذی طبع على الجحود وداوم علیه ولیس أنها حاله عابره، فالإنسان یجازى بعمله، ویحصد نتیجه أفعاله ولا مجال فیها للصدفه ولا لفعل الطبیعه الصمّاء.

     والآیه کالتعلیل والتفسیر لما حصل بالسبأیین، وفیها انتقاله من الحاله الخاصه إلى السنه العامه الجاریه فی جمیع الخلق أفراداً وأمماً وحضارات، فإن لکل منهم أجلاً ینتهی فیه {کُلُّ مَنْ عَلَیْهَا فَانٍ} (الرحمن: ۲۶) وفی الأمم {لِکُلِّ أُمَّهٍ أَجَلٌ} (یونس: ۴۹) فقد جرت سنه الله تعالى فی تعاقب الحضارات صعوداً ونزولاً، ازدهارا وتدهوراً {وَتِلْکَ الْأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیْنَ النَّاسِ} (آل عمران: ۱۴۰) {وَهُوَ الَّذِی جَعَلَکُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} (الأنعام: ۱۶۵) إلا أن مع هذا الأجل الطبیعی یوجد أجل طارئ یسمى (المخترم) وهذا الذی یستعجله الناس والأمم بعصیانهم وتمردهم وخروجهم عن القوانین الإلهیه، ولو شکروا وأطاعوا لاستوفوا أجلهم الطبیعی .

       {لَقَدْ کَانَ لِسَبَإٍ فِی مَسْکَنِهِمْ آیَهٌ} وفی هذه القصص آیه ودلاله وعلامه لکل الناس ومنهم مشرکو قریش الذین خوطبوا بها لیتعظوا ولیعتبروا ولیهتدوا إلى الحق قبل فوات الآوان، حیث کانوا فی بحبوحه من العیش تجلب لهم الخیرات من کل مکان وهم آمنون مطمئنون مرفّهون {أَوَلَمْ نُمَکِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً یُجْبَى إِلَیْهِ ثَمَرَاتُ کُلِّ شَیْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لَا یَعْلَمُونَ} (القصص: ۵۷) فلیحذروا من زوال هذه النعم إن هم أصروا على العناد والکفر.

       وذکر المقطع المبارک فی عنوان القبس أن مما أنعم الله تعالى علیهم أن جعل کل أراضیهم صالحه للسکن والزراعه وفیها الخیر الوفیر، لذلک کانت قراهم طیبه موفوره النعم کثیره الخیرات، والمسافات بینها مقدَّره بحیث لا یکاد ینتهی من أحدها المسافر حتى یدخل فی الأخرى، متقاربه یرى القاصد من أحدها الأخرى، وهی ممتده على طول وعرض الأرض، فإذا أراد أحدهم السفر الطویل إلى الأرض المبارکه التی یراد بها مکه أو القدس(۶) الممتد لیالی وأیاماً فإنه لا یقطع صحراء ولا یشعر بجوع لأن الثمرات متدلیه علیهم طول الطریق من دون ان یحمل زاداً معه، ولا بخوف من لصوص او حیوانات مفترسه او تیه رغم ان المنطقه جبلیه وعره فیها کل المخاطر، لذا کانوا یستطیعون السفر فی اللیل کما فی النهار (لَیَالِیَ وَأَیَّاماً آمِنِینَ) (سبأ :۱۸).

      لکنهم لشبعهم وترفهم بطروا واستکبروا وطلبوا (۷) من النبی أو داعیه الخیر أن یجعل الله أسفارهم بعیده وما یلزمها من اتخاذ الزاد والراحله، وقطع مفاوز مخیفه ظلماً وعتواً خلافاً لمتطلبات الفطره الإنسانیه السلیمه والغرائز الطبیعیه، کبنی إسرائیل لما أغدق علیهم ربهم النعم وأنزل علیهم المنَّ والسلوى بطروا من الترف وملّوا خیار النعم وطلبوا الطعام الأدنى من الثوم والبصل ونحوهما، وقد یکون قولهم من باب التحدی والتعجیز وأن الله سبحانه لا یستطیع ذلک، کما یقول أحدهم للآخر: اضربنی لأفهامه بأنک لا تستطیع ذلک، وقد کرّر المعاندون مثل هذا مع النبی (|) حین قالوا { اللَّهُمَّ إِنْ کَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِکَ فَأَمْطِرْ عَلَیْنَا حِجَارَهً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِیمٍ} (الأنفال : ۳۲)

       وقیل فی وجه طلبهم ((أن یجعل الله المسافات بین قراهم طویله؛ کی لا یستطیع الفقراء السفر جنباً إلى جنب مع الأغنیاء، ومقصودهم هو أن تکون بین القرى فواصل صحراویه شاسعه، حتى لا یستطیع الفقراء ومتوسطو الحال الإقدام على السفر بلا زاد أو ماء أو مرکب، وبذا یکون السفر أحد مفاخر الأغنیاء أو علامه على القدره والثروه، ووجوب أن یظهر هذا الامتیاز ویثبت لدى الجمیع)) (۸).

     أقول: وربما کان الدافع حتى یحتاج الفقراء إلى مؤونه السفر من الأغنیاء فیبتزوهم حریتهم أو شرفهم، وقد ظلموا أنفسهم بارتکاب المعاصی قبل الدعاء وبالدعاء حتى فعل بهم الدهر فعلته ومزّقهم وشتتهم وأذهب نعمهم، فصاروا أثراً بعد عین یتحدث عنهم الناس بأنه کان هنا کذا وکذا، وأصبحوا بذلک عبره لمن اعتبر ومثلاً یُضرب فیقال: ((تفرقوا أیادی سبأ)) قال أمیر المؤمنین (×) (ولیس شئ أدعى إلى تغییر نعمه الله وتعجیل نقمته من إقامه على ظلم، فإن الله سمیع دعوه المضطهدین وهو للظالمین بالمرصاد) (۹)  .

      {إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِکُلِّ صَبَّارٍ شَکُورٍ} (سبأ: ۱۹) فحکایه هذا التاریخ لیس للتسلیه وقضاء وقت الفراغ وإنما للاتعاظ وأخذ الدروس والعبر وینتفع بها الصبّار الشکور لأن الصبّار یستطیع أن یملک زمام نفسه فیمنعها من اتباع الهوى والشیطان ویساعده على الثبات والاستقامه {وَاسْتَعِینُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاهِ} (البقره: ۴۵)، والشکور یدفعه شکره إلى معرفه المنعم وحقه علیه، وطاعه المنعم وتجنب معصیته بعد أن تعرف على المنعم وعرف حقه.

       روى الشیخ الکلینی بسنده عن الإمام الباقر (×) تاره وعن الإمام الصادق (×) أخرى قال: (هؤلاء قوم کان لهم قرى متصله ینظر بعضهم إلى بعض وأنهار جاریه، وأموال ظاهره، فکفروا بأنعم الله وغیروا ما بأنفسهم فأرسل الله عز وجل علیهم سیل العرم فغرق قراهم وأخرب دیارهم وأذهب بأموالهم وأبدلهم مکان جناتهم جنتین ذواتی أکل خمط وأثل وشیء من سدر قلیل ثم قال الله عز وجل: {ذلک جزیناهم بما کفروا})(۱۰).

       أقول: أوردنا هذا المعنى الظاهر من الآیات الکریمه لیتعظ بها کل من أراد لنفسه الخیر والصلاح، وکل من یرید التعرف على سنن الله تعالى فی خلقه حتى یتأدب بأدب الله تعالى قبل أن تسحقه تلک القوانین الإلهیه فیخسر دنیاه وآخرته، قال أمیر المؤمنین (×) فی خطبته القاصعه: (فاعتبروا بما أصاب الأمم المستکبره من قبلکم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومثُلاته – أی عقوباته – واتعظوا بمثاوی خدودهم –أی قبورهم – ومصارع جنوبهم) إلى أن قال (×) فی سبب ما آلوا إلیه: (فانظروا ما صاروا الیه فی آخر أمورهم، حین وقعت الفرقه، وتشتتت الألفه، واختلفت الکلمه والأفئده، وتشعبوا مختلفین، وتفرقوا متحاربین (متحازبین) قد خلع الله عنهم لباس کرامته وسلبهم غضاره نعمته، وبقی قَصص أخبارهم فیکم عبراً للمعتبرین) (۱۱).

       ومجیء هذه الآیات المبارکه عن سبأ بعد الآیات السابقه عن آل داوود وملک سلیمان الذی لم یؤتاه أحد من العالمین والحضاره الراقیه التی أنشأها، لألفات النظر إلى أن الحصول على دنیا واسعه لیس مشکله فی حد ذاته، وأنه یمکن توظیف القوه المادیه الراقیه لخیر البشریه وإصلاحها وإعمار الأرض إذا سار الإنسان على طبق ما یریده الله تعالى {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُکْراً} (سبأ: ۱۳)، فالمشکله لیست فی نفس التفوق المادی والتکنولوجی وإنما فی کیفیه تعامل الإنسان معه.

       ولننتقل من هذا المعنى الظاهر من الآیه إلى تطبیق خفی للآیات الکریمه ورد فی عده روایات عن أهل البیت (علیهم السلام)، وکأنهم (علیهم السلام) یحثون على التعمق فی فهم معانی القرآن الکریم وجریان حقائقه فی العوالم المختلفه، وحاصله أن القرى التی بارک الله تعالى فیها هم أئمه أهل البیت (علیهم السلام)، فهم سلام الله علیهم مدارس علمیه متنوعه ومتکامله ینهل السائر إلیها والمتنقّل بینها من برکاتها وقد نطقت الروایات بذلک فمن أوصافهم (علیهم السلام) فی الزیاره الجامعه الکبیره أنهم (محال معرفه الله ومساکن برکه الله)(۱۲) وهذه البرکه لیست مجرد تشریف وإنما تکشف عن أهلیه لحمل الرساله الإلهیه وقیاده الناس نحو الکمال والسعاده.

         والقرى الظاهره المجعوله بینهم وبین الناس هم العلماء الربانیون العاملون من شیعتهم المقتفین لآثارهم، وهی تدل على الملازمه بین طاعه هؤلاء العلماء وطاعه المعصوم (×).

        وعلى هذا فأن السیر وقطع المسافه هو معنوی فی جهاد النفس وتهذیبها وفی الارتقاء العلمی والتکامل المعرفی والأخلاقی، وإن هذه النقله فی عالم المعنى هی ما یجب البحث عنه فی الأسفار البدنیه التی تکون ثمرتها الترقی فی المعارف الإلهیه.

      ویکون قوله تعالى: {آمنین} جعلاً وإنشاءً وتعهداً لهم بالأمان من الضلال والانحراف إن هم أخذوا دینهم ومعرفتهم من هؤلاء العلماء، بینما على المعنى السابق الظاهر یکون إخباراً.

      وبذلک فأن الآیه الکریمه بمعنییها ترسم معالم الحیاه الطیبه فی العالمین المادی والمعنوی، وتبّین سبب الانهیار والضیاع على کلا المستویین، فالعصیان وعدم الشکر یوجب فناء العمران المادی، والإعراض عن العلماء الربانیین یوجب ضیاع الدین ،وأن الضیاع الظاهری  یرجع إلى حصول الضیاع الباطنی، ففی الاحتجاج بسنده عن أبی حمزه الثمالی قال: (دخل قاض من قضاه أهل الکوفه على علی بن الحسین (علیهما السلام)، فقال له: جعلنی الله فداک، أخبرنی عن قول الله عز وجل: {وجَعَلْنا بَیْنَهُمْ وبَیْنَ الْقُرَى الَّتِی بارَکْنا فِیها قُرىً ظاهِرَهً وقَدَّرْنا فِیهَا السَّیْرَ سِیرُوا فِیها لَیالِیَ وأَیَّاماً آمِنِینَ}، قال له: ما تقول الناس فیها قبلکم بالعراق؟، فقال: یقولون إنها مکه، فقال: وهل رأیت السرق فی موضع أکثر منه بمکه؟، قال: فما هو؟ قال: إنما عنى الرجال، قال: وأین ذلک فی کتاب الله؟ فقال: أوما تسمع إلى قوله عز وجل: {وکَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها ورُسُلِه}، وقال: {وتِلْکَ الْقُرى أَهْلَکْناهُمْ}، وقال: وسْئَلِ الْقَرْیَهَ الَّتِی کُنَّا فِیها والْعِیرَ الَّتِی أَقْبَلْنا فِیها}، أفیسأل القریه، والعیر، أو الرجال؟. قال: وتلا علیه آیات فی هذا المعنى، قال: جعلنا فداک، فمن هم؟ قال: نحن هم، وقوله: {سِیرُوا فِیها لَیالِیَ وأَیَّاماً آمِنِینَ}، قال: آمنین من الزیغ)(۱۳).

       أقول: رویت الحادثه عن الإمامین الباقر والصادق (علیهما السلام) مع الحسن البصری وقتاده بن دعامه مفسّری البصره ومع أبی حنیفه فلعل الموقف تکرر معهم جمیعاً.

       وفی روایه أخرى مع الحسن البصری أضاف الإمام الباقر (×) (فنحن القرى التی بارک الله فیها، وذلک قول الله عز وجل. فمن أقر بفضلنا حیث أمرهم الله أن یأتونا، فقال: {وجَعَلْنا بَیْنَهُمْ وبَیْنَ الْقُرَى الَّتِی بارَکْنا فِیها} أی جعلنا بینهم وبین شیعتهم القرى التی بارکنا فیها {قُرىً ظاهِرَهً}، والقرى الظاهره: الرسل، والنقله عنا إلى شیعتنا، وفقهاء شیعتنا إلى شیعتنا،وقوله تعالى: {وقَدَّرْنا فِیهَا السَّیْرَ}، فالسیر مثل للعلم {سِیرُوا فِیها لَیالِیَ وأَیَّاماً}، مثل لما یسیر من العلم فی اللیالی والأیام عنا إلیهم فی الحلال، والحرام، والفرائض، والأحکام {آمِنِینَ} فیها إذا أخذوا من معدنها الذی أمروا أن یأخذوا منه، آمنین من الشک والضلال، والنقله من الحرام إلى الحلال لأنهم أخذوا العلم ممن وجب لهم أخذهم إیاه عنهم بالمعرفه، لأنهم أهل میراث العلم من آدم إلى حیث انتهوا، ذریه مصطفاه بعضها من بعض، فلم ینته الأمر إلیکم، بل إلینا انتهى، ونحن تلک الذریه المصطفاه، لا أنت، ولا أشباهک، یا حسن. فلو قلت لک حین ادّعیتَ ما لیس لک، ولیس إلیک: یا جاهل أهل البصره، لم أقل فیک إلا ما علِمتُه منک، وظهر لی عنک، وإیاک أن تقول بالتفویض، فإن الله عز وجل لم یفوض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصیه ظلماً)(۱۴).

       لذا تشرح روایه أخرى عن الإمام الباقر (×) أکمل مصادیق قوله تعالى فی نهایه المقطع  {إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِکُلِّ صَبَّارٍ شَکُورٍ} (سبأ: ۱۹) قال (×): (صبّار على مودّتنا، وعلى ما نزل به من شده أو رخاء، صبور على الأذى فینا، شکور لله تعالى على ولایتنا أهل البیت)(۱۵)، فلا بد من صبر یثبت العقیده، وشکر یدیم النعمه، وولایه تضبط المنهج، وإن من اتصف بهذه هو من یستفید من هذه الآیات.

       وفی الآیه الکریمه على هذا المعنى دعوتان:

۱ – خاصه للنخب من الشباب الواعی الذکی أن یلتحقوا بالحوزات العلمیه وینهلوا من علوم أهل البیت (علیهم السلام ) {سِیرُوا فِیهَا لَیَالِیَ وَأَیَّاماً}  سیر تفکر وتدبّروتحصیل لیصبحوا (قرىً ظاهره) بین القرى المبارکه والناس، أی دعاه ومبلغین عن الله تعالى والنبی وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین) إلى الناس ما داموا فی مقتبل العمر وخفیفی المؤونه، وأن یکون تعلّمهم خالصاً لله تعالى ولیس طلباً للجاه والرئاسه والسمعه والریاء وأمور الدنیا، ومن وصیه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لابن مسعود (یا ابن مسعود، مَن تعلّم العلم یرید به الدنیا وآثر علیه حبّ الدنیا وزینتها استوجب سخط الله علیه، وکان فی الدرک الأسفل من النار مع الیهود والنصارى الذین نبذوا کتاب الله تعالى)(۱۶).

۲ – عامه لکل الناس بأن یترددوا على العلماء ویتواصلوا معهم ویستفیدوا من علومهم ما ینفعهم فی دنیاهم وأخرتهم {سِیرُوا فِیهَا لَیَالِیَ وَأَیَّاماً آمِنِینَ} سیر استفاده وسؤال وتفهم وطاعه لیأمنوا من الضلال والانحراف والتیه، فإن الابتعاد عنهم وعدم الأخذ بإرشاداتهم یوجب المقت والخذلان، ففی دعاء ابی حمزه الثمالی عن الأمام السجاد (×) (أو لعلک فقدتنی من مجالس العلماء فخذلتنی) (۱۷).

       کما تتضمن عده توجیهات:-

۱- أن یقتصر المتعلم وطالب العلم على العلوم النافعه ولا یبعّد سفره ومسیرته بالبحث عن المعلومات الغریبه والزائده التی تُقحَم لأدنى مناسبه ولو بعیده لیتباهى بها ویتمیّز {رَبَّنَا بَاعِدْ بَیْنَ أَسْفَارِنَا} العلمیه وهی ترف لا فائده فیها، وقد سرت مثل هذه المباحث إلى مناهجنا الحوزویه فمثل هذه العلوم تقسّی القلب وتسقم الفکر وتبعّد عن الصواب الذی قصده المعصومون (^) وعن الفهم السلیم فهی {أُکُلٍ خَمْطٍ} بحسب الآیه الکریمه.

۲- دور علماء الدین فی ربط الناس بالمعصومین (علیهم السلام) وضبط سلوکهم وتحصین عقائدهم وتوجیه ثقافتهم وفق الکتاب الکریم والسنه الشریفه وحمایتهم من الانحراف والضلال وتحذیرهم من قطاع الطرق الذین یخدعون المؤمنین والمؤمنات بلباس الدین وبعض المصطلحات، فالعلماء الربانیون هم القرى الظاهره التی یأمن الناس بالرکون إلیها للأمن، ولو وجد الشباب هذه القرى الظاهره التی توصلهم إلى القرى المبارکه وهم الأئمه المعصومون (^) لما طلبوا العلم والمعرفه من غیرهم،ولما اتخذوا  غیرهم أسوات فیضلّونهم فعلى العلماء المخلصین أن یملأوا جمیع الساحات العلمیه والفکریه والاجتماعیه حتى لا یبقى فراغ یملأه أولئک.

۳- إن الله تعالى قد جعل للإنسان آیه فی مسکنه الذی یأوی إلیه وهی الزوجه الصالحه {لِّتَسْکُنُوا إِلَیْهَا} (الروم: ۲۱) التی تعینه على طاعه الله تعالى وکذا الزوج للزوجه فتوفرت لهما بیئه طیبه وحیاه هنیئه فی ظل رحمه رب غفور {بَلْدَهٌ طَیِّبَهٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} ورزقه ثمره طیبه وهم الأولاد الصالحون، فیجب على الجمیع أن یشکروا الله تعالى على هذه النعمه وأن یتجنبوا منغّصاتها من اتباعٍ للشهوات والنزوات أو إثاره للخلافات والنزاعات، وبسبب عدم التغاضی عن الأخطاء التی تحصل، وعلیهم أن یعزّزوا هذه القریه الطیبه وهی الأسره بالطاعات کالصلوات وذکر أهل البیت (علیهم السلام) وقراءه القرآن، قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): (إن البیت الذی یُقرأ فیه القرآن، ویُذکر الله عز وجل فیه تکثر برکته وتحضره الملائکه وتهجره الشیاطین، ویضیء لأهل السماء کما تضیء الکواکب الدرّیّ لأهل الأرض، وإن البیت الذی لا یُقرأ فیه القرآن ولا یُذکر الله عز وجل فیه تقلُّ برکته وتهجره الملائکه وتحضره الشیاطین)(۱۸).


خطبتا صلاه عید الفطر السعید لسنه ۱۴۴۷ الموافق ۲۱ / ۳ / ۲۰۲۶. ۱

۲عبر بالمسکن لإضفاء حاله الطمأنینه والسکینه على حیاتهم، ولم یقل (بیوتهم) إذ قد یأوی الشخص إلى بیته أی محل مبیته وهو خائف مهموم.

۳ – الظاهر من السیاق أن أحداث هذه الآیات الکریمه وقعت بعد قضیه ملکه سبأ وإیمانها، ویرجحه أن حضاره سبأ اندثرت بعد هذه الواقعه ولم یقم لهم الملک العظیم الذی تتحدث عنه سوره النمل .    

۴ – وروى علی بن إبراهیم فی تفسیره (۲/ ۲۰۰) أن الله تعالى ((بعث على ذلک السد الجرذ – وهی الفأره الکبیره – فکانت تقتلع الصخره التی لا یستقلها الرجل، وترمی بها، فلما رأى ذلک قوم منهم هربوا وترکوا البلاد، فما زال الجرذ یقلع الحجر حتى خربوا ذلک السد، فلم یشعروا حتى غشیهم السیل)) أو أنهم انشغلوا بلهوهم وعبثهم وغفلوا عن مداراه السد حتى انهار، أو أن التخریب حصل بفعل فاعل من الأعداء فی داخل الدوله أو من خارجها .

۵ – وکم من أمثله على إنهیار الحضارات المتجبّره بسبب تافه وقد ذکرتُ بعضها فی موسوعه خطاب المرحله ومنها ما سمیتها (مشکله الصفرین) التی عشناها وقد أرعبت العالم المتقدم فی التکنولوجیا حتى استعد لحرب النجوم لکن غفله بسیطه کادت تودی بکل مشاریعه، وذلک حینما کان یؤرخ للسن وین برامجه على ذکر أول مرتبتین فیشیر تسهیلاً وتجنباً للتطویل للسنه ۱۹۹۸ بـ ۹۸ ولم یصحُ إلا على خطر مرعب فی نهایه عام ۱۹۹۹ حیث إن انقلاب (۹۹) إلى الصفرین یعنی العوده إلى سنه ۱۹۰۰ وهو غیر معرّف فی الحاسبات الألکترونیه ولیس الانتقال إلى عام ۲۰۰۰ لیدوّن لدیها، فارتبکت الحسابات المصرفیه ومواعید الرحلات وغیرها من الأعمال المرتبطه بالتواریخ اللاحقه، والأخطر من ذلک نظام الأسلحه الاستراتیجیه والعابره للقارات إذ لم یعرفوا کیف ستتصرف عند حصول هذا التاریخ المجهول  وحَبَسَت الدول أنفاسها وحشدت قواتها ومعداتها خشیه وقوع الکارثه فی ساعه الصفر من لیله ۱/ ۱ /۲۰۰۰، وبذلت الملیارات من أجل تجنبها، وشاء الله تبارک وتعالى أن یدفع عنها البلاء الذی کاد أن یدمرها بسبب غفله بسیطه، فکانت موعظه إلهیه لعلها تتخلى عن جبروتها وطغیانها المصطنع ولکنها لم تستفد من هذا الدرس ولا غیره کما هو شأن المستکبرین (خطاب المرحله : ۳/ ۲۰۵ )  

۶- وهذان القولان هما الموجودان فی کلمات المفسرین والثانی أشهر لورود وصفها بالمبارکه فی عده آیات کقوله تعالى {وَنَجَّیْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا لِلْعَالَمِینَ} (الأنبیاء: ۷۱) وقوله تعالى {وَلِسُلَیْمَانَ الرِّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا وَکُنَّا بِکُلِّ شَیْءٍ عَالِمِینَ} (الأنبیاء: ۸۱) وقوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَیْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: ۱) وبناءاً على هذا تکون الطرق من الیمن إلى مکه أو القدس یومئذٍ مأهوله وعامره بالقرى والأراضی الزراعیه الغنیه بالثمرات وهو ما لم ینقله لنا التاریخ لأن المسافه بین الیمن وبینهما فیها صحارى شاسعه وهی غیر مشموله بالنعمه محل الحدیث فی الآیه بحیث نتصور أن السبأیین أقاموا قرى على طول هذه الطرق واستصلحوا أراضیها واوصلوا لها قنوات الماء أو حفروا لها آباراً وأسکنوا ناساً منهم للضیافه والإعمار کل مسافه عده ساعات.

لذلک أحتمل أن المراد بالأرض المبارکه مأرب التی فیها السد لأنها منبع الخیر والبرکه للأراضی الأخرى.

 نعم یصح افتراض مکه أو الشام على احتمال أن المراد بالآیه محل البحث أمه أخرى غیر سبأ ولو بقرینه الإتیان بها بعد الانتهاء من ذکر عاقبه سبأ، وإن کان هذا الاحتمال خلاف ظاهر السیاق.

۷- فی قراءه عن الإمام الباقر (علیه السلام) وابن عباس کما فی (مجمع البیان: ۸/ ۱۱۱) أنها (ربُّنا باعَدَ) فتکون من باب نکران الإحسان الواضح.

الأمثل : ۱۰ / ۵۴۱ .

نهج البلاغه : ۲/ ۸۵ من عهده علیه السلام إلى مالک الأشتر (رضوان الله تعالى علیه) . 

۱۰- الکافی: ۲ / ۲۱۰ ج ۲۳، وکذا فی ۸/ ۳۹۵ ح۵۹۶ وأوردهما فی تفسیر البرهان: ۸ / ۶۳.

۱۱- نهج البلاغه الخطبه / ۱۹۲.

   مفاتیح الجنان: ۸۸۶. ۱۲

۱۳- الاحتجاج: ۳۱۳، البرهان: ۸ / ۶۶ ح ۱۰.

۱۴- الاحتجاج: ۳۲۷، البرهان: ج ۸ / ۶۶ ح ۱۱.

۱۵- البرهان: ۸ / ۶۸ ح ۱۳.

۱۶- مکارم الأخلاق، للشیخ الطبرسی الحسن بن الفضل: ص ۴۵۱، من وصیه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لعبد الله بن مسعود.

۱۷- مفاتیح الجنان: ۳۳۹.

۱۸- الکافی: ج ۲، ص ۴۹۹.

Add A Knowledge Base Question !

+ = Verify Human or Spambot ?

آخر الأخبار