أما في الحوزة الشريفة فمرور عام  يعني أننا ازددنا علماً وتعمّقنا فهماً وتكاملنا أخلاقاً وقطعنا أشواطاً في إصلاح النفس والمجتمع فتكفي نظرة واحدة إلى الكتب التي درسناها وتحمّلناها واستوعبناها خلال عام لنعرف كم ازددنا علماً في عدد من حقول العلم والمعرفة بل أشرف العلوم كلها فقه آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) والعلوم المتصلة به.

وتكفي وقفةُ تأمّل لنعرف كيف تغيّرت رؤيتنا للحياة وللكون وللمبدأ والمعاد ، كنّا لا نفقه من الحياة شيئاً لاهين عابثين لا تتجاوز مشاعرنا أنفسنا ولا نفكر بأزيد من تلبية حاجاتنا وصرنا نحمل هموم الدنيا كلها فما من أحد ٍ يتألم في شرق الأرض وغربها إلا تألمنا معه، وما من مشروع خير للإنسانية يفكر فيه أحد في شرق الأرض وغربها إلا وددنا أن نشاركه فه، تعمّقت نظرتنا وتوسعت وكبرت لأن أهدافنا كبرت واتسعت وصارت ترنو إلى العظيم اللامتناهي ، وكلما كبر الهدف ازدادت الهمّة وتفجّرت الطاقات.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم                    وتأتي على قدر الكرام المكارم

 

وأما أخلاقياً فوجداننا يحسُ بالتكامل أيّما إحساس: لم تكن تخرج دمعةٌ منّا في صلاة الليل بل ربما لم نكن نصليها وصرنا مواظبين عليها وربما اغرورقت أعيننا بالدموع خشية من الله واستغفاراً لذنوبنا وشكراً على عظيم النعم، وطلباً للمزيد من الألطاف الإلهية، لم نكن نتدبّر في القرآن ولا نفهم معانيه بل ربما لم نكن نقرأ القرآن إلا لماماً وصرنا حلفاء القرآن لا نستطيع مفارقته وتسري معانيه في دمائنا هذبنا به ألسنتنا وأسماعنا وأعيننا وطهّرنا به نفوسنا وقلوبنا، كنا لا نفهم عندما نقف على أعتاب الحضرة الشريفة للإمام الحسين (عليه السلام) معنى الإذن بالدخول بأن يخشع القلب وتدمع العين وصرنا نفهمه،     كل ذلك وغيره تحقق لنا ببركة الوجود في الحوزة الشريفة وما خفي أعظم مما أعدّ الله من الكرامة ووعد السالكين في هذا الطريق من العطاء الذي لا حدود له ( إن الملائكة لتبسط أجنحتها لطالب العلم وما من مخلوقٍ من خلق الله في السموات والأرض إلا ويستغفر لطالب العلم وإن حلق العلم روض من رياض الجنة وإن مداد العلماء خير من دماء الشهداء وإن من ترك ورقة من علم كانت له حجاباً تقيه نار جهنم وما من عالمٍ أخذ بيد أحدٍ من أيتام آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين انقطعوا عن أبيهم المعنوي الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (إلا أدخله الله الجنة)[2] وغيرها كثير فأين الناس عن هذه الخيرات والبركات ولماذا لا يتعرضون لهذه النفحات الإلهية وما الذي يقعدهم عنها؟

عن أي نعمة أتحدث وأي لطف جميل أذكر، صرت ببركة الحوزة الشريفة مصدراً واسعاً للعطاء أقضي وقتي بين سؤال أجيبه أو مشكلة  أحلها أو حاجة للآخرين أقضيها أو علم أنتفع به أو أنفع به غيري فتكون لي حسنات بعدد كل من استفاد مني مباشرة أو بشكل غير مباشر (من سنّ سنة  حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) كما أفادت الرواية بأن الرجل يجيء يوم القيامة وفي ميزانه أعمال كثيرة كالجبال لا يعرفها فيقال له: هذا علمك الذي علمته الناس يعمل به بعدك.

بعد كل هذا كيف لا أفرح بفضل الله وبرحمته (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) وكيف لا تتصاغر أمامي الدنيا بكل مغرياتها وتتضاءل ولا أجد لها أهمية في قلبي بعد هذا الذي حباني الله تعالى به، وكيف لا أتمنى هذا الخيرـ وهو الانتماء إلى الحوزة الشريفة ـ لكل الناس بعد أن ذقت حلاوته وبعد أن امتلأ قلبي حبا للناس فصرت أتألم لأي إنسان من ذكر أو أنثى لم ينهل من هذا النمير الصافي.

هكذا ينبغي أن نكون ونحن في رحاب الحوزة الشريفة فهل نحن كذلك؟!

أرجوا أن نكون كذلك في العام الذي مضى والعام الذي نفتتحه اليوم وإن لم نكن أهلاً فرحمة الله وعطاؤه أهلٌ أن تشملنا لأن كل عطائه تفضّل وابتداء من غير استحقاق وما علينا إلا أن نوفّر في أنفسنا المحل القابل للعطاء بالجد والاجتهاد والإخلاص فإن الله لا بخل في ساحته ولا يمنع عطاءه عن أحد إلا أن تحجبهم الذنوب دون الله تبارك وتعالى ـ كما في الدعاء ـ فالقصور في المحل لا في المفيض حاشاه جلّت آلاءه والحمد لله رب العالمين.